محمد هادي معرفة

350

التمهيد في علوم القرآن

فقد شبّه النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) في إبلاغ دعوته للمشركين بمن يرمي بقذائفه إلى قلاع مبنية من زجاجات سريعة التكسّر والانهيار . قال : وإن كان ذمّا كان مسّه أوجع وميسمه ألذع ، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ ، كما جاء في قوله تعالى - في تصوير حالة من أوتي الهداية فرفضها لغيّه وانسلخ منها - : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ « 1 » إنه من التمثيل الرائع وفي نفس الوقت لاذع ، إنّه يمثّل مشهد إنسان يؤتيه اللّه آياته ويخلع عليه من فضله ويعطيه الفرصة للاكتمال والارتفاع . . . ولكن ، ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخا ، كمن ينسلخ عن أديم جلده بجهد ومشقة ، ويتجرّد من الغطاء الواقي والدرع الحامي ، ويهبط من الأفق العالي إلى سافل الأرض ، فيصبح غرضا للشيطان ، لا وقاية ولا حمى ، وإذا هو ألعوبة أو كرة قدم تتقاذفه الأقدار ، لا إرادة له ولا اختيار ، فمثله كمثل كلب هراش لا صاحب له ، ويلهث « 2 » من غير هدف . ويتضرّع من غير أن يجد من يشفق عليه . وهكذا جاء تصويره لمن حمّل ثقل الحقّ ولا يهتدي به بالحمار يحمل أسفارا ، هي أفضل ودائع الإنسان ، يئنّ بثقلها ولا يعي شرف محتواها : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً « 3 » فقد كلّفوا حمل أمانة اللّه في الأرض ، لكن القلوب الحيّة الواعية هي التي تطيق عبء هذه الأمانة ، وقد افتقدها هؤلاء فلم يصلحوا لحملها ومرافقتها

--> ( 1 ) الأعراف : 176 . ( 2 ) اللهث : دلع اللسان عطشا أو تعبا . ( 3 ) الجمعة : 5 .